القاضي التنوخي

8

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

أنّها تصلح لمن قد فرغ من أكثر العلوم ، واشتهى قراءة ما يدلَّه على أخلاق أهل الأزمنة ، وسننهم ، وطرائقهم ، وعاداتهم ، وأن يقايس بين ما نحن فيه ، وما مضى ، ليعلم كيف ماتت الدنيا ، وانقلبت الأهواء ، وانعكست الآراء ، وفقدت المكارم ، وكثرت المحن والمغارم ، وهلك أهل الفضل والتفضّل ، وتلف أهل الستر والتجمّل ، وصغرت الهمم ، وتلاشت النعم ، وفقد الجمال ، وعدم النبل والجلال ، في أكثر الخصال ، وجمهور الرجال . وحقّا أقول ، لو عاش حكيم من أهل تلك الأزمنة ، حتى يرى ما حصلنا عليه ، ودفعنا إليه [ 3 ] ، ما شكّ في قيام الساعة ، أو أنّ الناس بدّلوا بهائم مهملة ، أو جعلوا آلات غير مستعملة ، لفقد الأحرار ، وشدّة الإعسار ، وبطول المكاسب ، وتواتر النوائب ، وحدوث السنن القبيحة ، والعوائد المسبّبة الفضيحة ، ونسأل اللَّه العظيم ، فرجا عاجلا ، وصلاحا للعالم شاملا ، إنّه سميع مجيب ، رحيم ودود ، ذو العرش المجيد ، فعّال لما يريد ، وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل والمعين .